إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

399

الإعتصام

من كان منهم يخشى السلاطين لنيل ما عندهم أو طلبا للرياسة فلا بد أن يميل مع الناس بهواهم ويتأول عليهم فيما أرادوا - حسبما ذكره العلماء ونقله الثقاة من مصاحبي السلاطين فالأولون ردوا كثيرا من الأحاديث الصحيحة بعقولهم وأساؤا الظن بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وحسنوا ظنهم بآرائهم الفاسدة حتى ردوا كثيرا من أمور الآخرة وأحوالها من الصراط والميزان وحشر الأجساد والنعيم والعذاب الجسمي وأنكروا رؤية الباري وأشباه ذلك بل صيروا العقل شارعا جاء الشرع أولا بل إن جاء فهو كاشف لمقتضى ما حكم به العقل إلى غير ذلك من الشناعات والآخرون خرجوا عن الجادة إلى البنيات وإن كانت مخالفة لطلب الشريعة حرصا على أن يغلب عدوه أو يفيد وليه أو يجر إلى نفسه كما ذكروا عن محمد بن يحيى بن لبابة أخي الشيخ ابن لبابة المشهور فإنه عزل قضاء البيرة ثم عزل عن الشورى لأشياء نقمت عليه - وسجل بسخطته القاضي حبيب بن زياد وأمر بإسقاط عدالته وإلزامه بيته وأن لا يفتى أحدا ثم إن الناصر احتاج إلى شراء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة النهر فشكا إلى القاضي ابن بقي ضرورته إليه لمقابلته منزهه وتأذيه برؤيتهم أوان تطلعه من علاليه فقال له ابن بقي لا حيلة عندي فيه وهو أولى أن يحاط بحرمة الحبس فقال له تكلم مع الفقهاء فيه وعرفهم رغبتي وما أجزله من اضعاف القيمة فيه فلعلهم أن يجدوا لي في ذلك رخصة فتكلم ابن بقي معهم فلم يجدوا إليه سبيلا فغضب الناصر عليهم وأمر الوزراء بالتوجيه فيهم إلى القصر وتوبيخهم فجرت بينهم وبين بعض الوزراء مكالمة ولم يصل الناصر معهم إلى مقصوده وبلغ ابن لبابة هذا الخبر فدفع إلى الناصر بعضا من أصحابه الفقهاء ويقول إنهم حجروا عليه واسعا ولو كان حاضرا لأفتاه بجواز المعاوضة وتقلد حقا وناظر أصحابه فيها فوقع الأمر بنفس الناصر وأمر بإعادة محمد ابن لبابة إلى الشورى على حالته الأولى ثم أمر القاضي بإعادة المشورة في المسألة فاجتمع القاضي والفقهاء وجاء ابن لبابة